لا يمكن اعتبار فكرة إنشاء هذه الرابطة فكرة عفوية أو ذات صلة بـ"خبرة" و"اختصاص" الرئيس التونسي في هذا المبحث الدستوري، ولا يُعقل رَدُّها أيضا إلى الحرص القطري على إعلاء قيمة الدساتير أو رفع منزلة فقهاء الدستور، بل إن الأمر أثار استغرابا واسعا، وصل حد السخرية أحيانا من دولة لا تقيم كبير اهتمام بالدساتير والأنظمة الديمقراطية، وفي الوقت نفسه تنشئ رابطة دولية لفقهائها.

ذهب سعيّد إلى الدوحة في توقيت سياسي حرج موسوم بتصاعد الأزمة بين الإسلاميين وفرنسا، على خلفية الرسوم المسيئة للرسول، وما ترتب عليها من أجوبة إرهابية متشنجة في حادثة ذبح الأستاذ الفرنسي صامويل باتي في 16 أكتوبر الماضي، ثم عملية نيس الإرهابية في 29 من الشهر نفسه. على ذلك كان من أهم الدعوات (وأكثرها إثارة للريبة في الآن نفسه) الدعوة إلى الحوار بين المسلمين والغرب. اللافت أن الدعوة إلى الحوار بين المسلمين والغرب تتضمنُ مفارقتيْن مُتَجاورتيْن؛ الأولى أن الدعوة سُوّقَتْ- قطريا- على أنها نابعة من الرئيس سعيّد، والثانية أن في الدعوة مساواة بين الإسلاميين والمسلمين، وهي مساواة تحرص الدوحة وكل التيارات الإسلامية على الترويج لها، في حين تصرُّ فرنسا على أن خلافها مع الإسلاميين لا مع الإسلام.

زيارة سعيّد إلى الدوحة، كانت حبلى بالانتظارات المتبادلة. انتظارات تونسية على خلفية الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، ورهانات قطرية على رئيس تونسي قدم صورة مغايرة عن الصورة النمطية للرئيس العربي، وظل حريصا على أن يقف وسط المسافة بين كل المتناقضات، سواء في الداخل التونسي أو في الخارج. ولذلك يمكن فهم الرهان القطري على سعيّد، بوصفه محاولة لتسجيل بعض الأهداف وتحريك المياه الراكدة الناتجة عن العزلة القطرية المستمرة منذ سنوات.

يعرف المتابعون لسجلّ كل التيارات الإسلامية بمختلف مشاربها، أن كل تلك التيارات ترتبط بوشائج قوية مع الدوحة، وأنها تتفيأُ ظلالها ودعمها وأموالها وغير ذلك من أشكال الإسناد والرعاية، ولذلك فإن كل حصار يعلنُ أو يوجه ضد التيارات الإسلامية، تستشعره قطر وتهرع إلى محاولة الهروب من مفاعيله، باعتبار الارتباط الوثيق الذي أشرنا إليه. هنا كان للموقف الفرنسي القوي، والأوروبي المساند لباريس، ضد التيارات الإسلامية ذات الصلة بتصاعد الفعل الإرهابي، وَقْع مؤثر على الدوحة التي استنفرت كل قواها منذ أسابيع لمحاولة التخلص من آثار الأزمة، والتملص من تبعات تهمة تمويل الجماعات الإسلامية المقيمة في فرنسا.

زيارة قيس سعيد إلى الدوحة جاءت في ظرفية سياسية دقيقة بالنسبة لقطر، وحصلت في ظرفية اقتصادية حرجة بالنسبة لتونس، لكن هذا الالتقاء القطري التونسي في حرج اللحظة لم يوفر وجاهة أو تبريرا مقنعا لبعض ما ترتب على الزيارة، وخاصة مسألة "رابطة فقهاء القانون الدستوري". يذكر أن لقطر تاريخا طويلا في إنشاء المؤسسات والمنظمات والجمعيات العابرة للدول، وهي جمعيات خيرية ودينية وإعلامية وغيرها. والجامع بين تلك المنظمات والمؤسسات هو أنها تتخذ مسارا مختلفا عن أهدافها المعلنة، ولنا في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذراع الأيديولوجية للإخوان المسلمين المؤسس في الدوحة عام 2004، مثال بليغ على ذلك.

المفارقة الجديدة أن تأسيس الرابطة الدولية لفقهاء القانون الدستوري تزامن مع تظاهرات في تونس من أجل المطالبة بغلق مقر اتحاد علماء المسلمين في تونس، ما يعني أنه في الوقت الذي يحتجّ فيه تونسيون على وجود فرع لاتحاد الإخوان في تونس، يعود قيس سعيد من الدوحة برابطة أخرى يُخشى أن تكون ذراعا قطرية جديدة بعنوان براق هو القانون الدستوري.

لقضية إنشاء منظمة دولية لفقهاء القانون الدستوري وجهها التونسي، حيث لاقت الخطوة استنكارا ونقدا شديدين من أوساط سياسية وحقوقية تونسية لأسباب متداخلة. اكتفاء رئاسة الجمهورية التونسية بإصدار بلاغ فقير عن تأسيس الرابطة وإسناد رئاستها لسعيّد، لم يحلْ دونَ سيلان الأسئلة عن الجهة التي دعت إلى تأسيسها؛ رسمية أم غير رسمية بما يعنيه ذلك الفرق من مسافات ومسؤوليات؟ وما هي أهداف المنظمة؟ ومن هم أعضاؤها ومن سيموّلها وما هو دور سعيّد، الرئيس، في نشاطها وبرامجها؟ وما علاقة جامعة لوسيل بكل ذلك؟

هذه الأسئلة تنفتح على قضايا أخرى، ذات صلة بالرئيس التونسي نفسه وبصلاحياته ومدى قدرته على ممارسة أنشطة أخرى بالتزامن مع رئاسته للبلاد. يشار إلى أن المادة 76 من دستور تونس للعام 2014 تنص على أنه "لا يجوز لرئيس الجمهورية الجمع بين مسؤولياته وأية مسؤولية حزبية"، فإذا كان الأمر كذلك في الممارسة الحزبية داخل البلاد، فهل يجوز سياسيا ودستوريا وأخلاقيا أن يتولى رئيس الدولة رئاسة جمعية أو رابطة دولية تم تأسيسها في دولة عُرفت بتزعمها لمحور تطغى عليه الدوافع الأيديولوجية؟

هذا السؤال يفضي بنا إلى قضية أخرى مدارها الخلافات الإخوانية المتوترة، سواء داخل حركة النهضة على خلفية غضب قيادات نهضوية من استفراد راشد الغنوشي بالقرار، أو خارج النهضة إثر التصريح الذي أدلى به الغنوشي إثر لقائه السفير الفرنسي الجديد بتونس حين عبّر عن وجوب عدم تأثر العلاقات التونسية الفرنسية بـ"الأحداث الهامشية العابرة"، ما أدى إلى تفجر عاصفة من الغضب الإخواني ضده بحجة أن تصريح الغنوشي "بائس ويستحق الإدانة، ويهمش جهد الأمة في الغضب للنبي والدفاع عنه". زيارة سعيّد إلى قطر جاءت في زحمة التبرم الإخواني من الغنوشي، داخليا وخارجيا، ما أتاح المجال واسعا للتساؤل عن إمكانية تكليف سعيّد بتدبير مصالحة إخوانية داخلية، أم هي محاولة لطي صفحة الغنوشي وبحث ملامح مرحلة جديدة بشخصيات جديدة وتصورات جديدة تقطع مع عقم الأداء الإخواني الذي استشعرت الدوحة آثاره في السنوات الأخيرة.

وسواء كان الأمر مصالحة أم تدشينا لمسار جديد يكون فيه لسعيّد دور فاعل، فإن للتونسيين الحق في الارتياب من هذه الرابطة، ومن التخبط الذي يمارسه سعيد في المجال الدبلوماسي. تونس التي قدمت للعالم دستور قرطاج (أحد أعرق الدساتير المكتوبة في العالم) ووثيقة عهد الأمان في العام 1857، ودستور الدولة الوطنية المستقلة لعام 1959، لا يمكن لها أن تتعلم دروسا دستورية من قطر التي تأخرت عن الركب العالمي في هذا المجال، إذ أن دستورها يعود إلى العام 2004، فضلا عما عرفت به من مساهمة "فاعلة" في تخريب الكيانات المستقرة، وتاريخها حافل بسجل طويل من تمويل الحروب الأهلية والإرهاب والانقلابات واستضافة الجماعات والشخصيات الإرهابية.

ذهب قيس سعيد إلى قطر رئيسا للجمهورية مدججا بكل مشروعيته وصلاحياته، لكنه عاد من الدوحة رئيسا لمنظمة لا أحد يعرف حقيقة أهدافها وغاياتها، وكان بإمكانه انتظار انتهاء عهدته الرئاسية لكي يتفرغ للنشاطات التي يُقدّرُ أنها تتناسب مع مؤهلاته العلمية والسياسية، أما أن يجمع بين رئاسته للبلاد ومهام أخرى، ففي ذلك إهانة لموقعه ولمنصبه وللبلاد التي يترأسها بتفويض شعبي لا يقبل الدحض والتشكيك.

كانت زيارة سعيد إلى قطر اختصارا كثيفا لما يسود الساحة العربية والتونسية من قضايا؛ أفرجت عن قرارات هي عبارة عن إشارات دقيقة للأزمات المتشظية في أكثر من جغرافيا. فالحوار بين الإسلام والغرب، المُسوّق وفق المبادرة القطرية، يضمر إنتاج إشكاليات جديدة أكثر مما يفرز حلولا، وإنشاء رابطة دولية لفقهاء القانون الدستوري برئاسة سعيد، تظل فكرة قابلة لأي تأويل لما تكتظ به من علامات مريبة في دواعي تأسيسها وأهدافها ومصالح العقل الذي ابتكرها.